مجد الدين ابن الأثير

157

المختار من مناقب الأخيار

ما رفعه اللّه إلا بخبيئة كانت له ، ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك ، ولا بعد ابن المبارك مثل يحيى بن يحيى « 1 » . وقال المروزي : شرب يحيى بن يحيى شربة دواء ، فقالت له امرأته : لو قمت فتردّدت في الدار . فقال يحيى : ما أدري ما هذه المشيّة ، إنّي أحاسب نفسي منذ أربعين سنة « 2 » . وقال الحسن بن عليّ بن بندار : كان يحيى بن يحيى يحضر مجلس مالك ، فانكسر قلمه ، فناوله المأمون قلما من ذهب أو مقلمة ذهب ، فامتنع من قبولها ، فقال له المأمون : ما اسمك ؟ قال : يحيى بن يحيى النّيسابوري . فقال : تعرفني ؟ قال : نعم ، أنت المأمون ابن أمير المؤمنين . قال : فكتب المأمون على ظهر جزئه : ناولت يحيى بن يحيى النّيسابوريّ قلما في مجلس مالك فلم يقبله . فلمّا أفضت الخلافة إليه بعث إلى عامله بنيسابور ، وأمره أن يولّي يحيى بن يحيى القضاء ، فبعث إليه يستدعيه ، فقال بعض الناس : إنّه يمتنع من الحضور ، وليته أذن للرسول ، فأنفذ إليه كتاب المأمون ، فقرئ عليه ، فامتنع من القضاء ، فردّ إليه ثانيا ، وقال : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بشيء وأنت من رعيّته ، وتأبى عليه ؟ فقال : قل لأمير المؤمنين : ناولتني قلما وأنا شابّ فلم أقبله ، أفتجبرني الآن على القضاء وأنا شيخ ؟ فرفع الخبر إلى المأمون ، فقال : قد علمت امتناعه ، ولكن ولّ القضاء رجلا يختاره . فبعث إليه العامل في ذلك ، فاختار رجلا ، فولّي القضاء ، ودخل على يحيى وعليه سواد ، فضمّ يحيى فراشا كان جالسا عليه كراهية أن يجمعه وإيّاه . فقال : أيّها الشيخ ، ألم تخترني ؟ قال : إنّما قلت أختاره ، وما قلت لك : تقلّد القضاء « 3 » .

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 115 . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 115 ، وفيه : « إني أحارب نفسي » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 115 ، 116 .